صديق الحسيني القنوجي البخاري
440
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن ابن مسعود قال : « إذا تكلم اللّه بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون : يا جبريل ماذا قال ربك ؟ فيقول : الحق » « 1 » أخرجه أبو داود ، والصلصلة صوت الأجراس الصلبة بعضها على بعض وفي معناه أحاديث ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يبكت المشركين ويوبخهم فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 24 إلى 25 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها فإن آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة ، والرزق من السماء هو المطر وما ينتفع به من الشمس والقمر والنجوم ، والرزق من الأرض هو النبات والمعادن ونحو ذلك ، ولما كان الكفار لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام ، ولا تقبل عقولهم نسبة هذا الرزق إلى آلهتهم وربما يتوقفون في نسبته إلى اللّه مخافة أن تقوم عليهم الحجة أمر اللّه رسوله بأن يجيب عن ذلك فقال : قُلِ اللَّهُ أي هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض ثم أمره اللّه سبحانه أن يخبرهم بأنهم على ضلالة لكن على وجه الانصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير من هو على الهدى ومن هو على الضلالة فقال : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ والمعنى أن أحد الفريقين من الذين يوحدون اللّه الخالق الرازق ويخصونه بالعبادة والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضرر لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلالة ، ومعلوم لكل عاقل أن من عبد الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر هو الذي على الهدى ، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر هو الذي على الضلالة ، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى وهم المسلمون وفريق الضلالة وهم المشركون على وجه أبلغ من التصريح وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك . قال المبرد : ومعنى هذا الكلام معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه : أحدنا كاذب وقد عرف أنه الصادق المصيب ، وصاحبه الكاذب المخطىء انتهى . وخولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال كأنه ينغمس في ظلام لا يرى أين يتوجه .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة ، باب 20 .